القاضي عبد الجبار الهمذاني
114
المنية والأمل
بأصلح . التفاؤل عند المعتزلة : إن اللّه عز وجل ليس في قوته ، أحسن مما فعل بنا ، وأن هذا الذي فعل ، هو منتهى طاقته ، وآخر قدرته ، التي لا يمكنه ولا يقدر على أكثر ، واللّه لا يقر أن يفعل بعباده ، خلاف ما فيه صلاحهم . فإذا كل ما يحصل في الدنيا وفي الآخرة ، هو أصلح ما يمكن للعباد . وهذه نتيجة منطقية ، لنفي جميع الصفات عن اللّه ، وردها إلى الذات ، والذات غاية الكمال ، لا يعترضها أي عجز أو نقص ، لذلك يلزم أن تكون ما تعلمه كاملا . مصدر الفكرة السابقة : فكرة التفاؤل التي قال بها النظام ، تأثر فيها بقدماء الفلاسفة ، ويقول البغدادي : إن النظام تأثر بالمنانية القائلين ، إن إله الخير ، لا يمكنه أن يفعل إلّا الخير ، ولا يمكنه أن يفعل الشر ، لأن الشر لا يصدر إلا عن إله الشر ، ولكن من ناحية أخرى ، فلقد رد النظام على المنانية قولها بالاثنين : إله الخير ، وإله الشر . وبهذا تكون المعتزلة قد بحثت أقوال قدماء الفلاسفة ، وأقوال المنانية ، واستخلصت منها قولا ، يتفق وكمال اللّه تعالى ، وجاء قولها نمقا أيضا وفكرة المسيحيين في الألم ، كطريق لخير أعظم . تقول المعتزلة : « إن اللّه لا يفعل إلا الأصلح ، وأن قدرته لا تأتي إلا بما هو كمال » هناك نقطتان لهما أهمية كبرى وهما : التوفيق بين قدرة اللّه تعالى ، وحرية الاختيار عند الانسان . ومن جهة أخرى : مسألة الظلم : هل يمكن أن يفعله أم لا يمكن ؟ واللّه تعالى مع قدرته على فعل الظلم ، لا يفعله ، لأن العدل من أخص صفاته . والانسان عند المعتزلة ، يصبح بمحض إرادته مطيعا أو كافرا ، ولا قدرة له في ذلك . وهذا يتفق تماما مع حكمة التكليف . الحكمة في أعمال اللّه : يفعل اللّه تعالى لا لينتفع ، وإنما لينفع غيره ، ولما كان اللّه في غاية الحكمة ، فهو لا يفعل إلا الأصلح . وأصل التخليق والتكليف ، عند معتزلة البصرة ، صلاح ، والجزء صلاح . وفي الطبيعة : الشيء نفسه بالنسبة للأخلاق ، فاتلاف اللّه للزرع صلاح ، لأن فيه اختبارا للصبر على المكاره .